السبت، 26 مارس 2011

الرد المبين على من أجاز ولاية الكافر على المسلمين.........الشيخ :إيهاب كمال أحمد



الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله خَير خَلْق الله أجمعين، وعلى آله وأزواجه وأصحابه الأخيار الطَّاهرين.
وبعد:
فإنَّنا - في زماننا هذا - قد ابْتُلينا بطائفة يَنسبون أنفسهم لأهل العلم والفتوى، لكنَّهم يُصدرون فتاوى تُخالف الكتاب والسُّنة وما استقرَّ عليه إجماعُ العلماء المعتبَرين، ويتكلَّفون استدلالاتٍ بعيدةً عجيبة، ويلوون أعناق النُّصوص؛ لِيُبرهنوا على أقوالهم المتهافِتة.

ومن ذلك ما أفتى به بعضهم مؤخَّرًا من جواز تولِّي الكافرِ الولايةَ العظمى في بلاد المسلمين؛ ليكون حاكمًا عليهم، مدبِّرًا لشؤونِهم، متصرِّفًا في أمورهم، وله حقُّ الطاعة عليهم؛ مستدلِّين على ذلك بتولِّي سيدنا يوسف - عليه السَّلام - للولاية في ظلِّ حُكم مَلِكٍ كافر، وبتولِّي الكُفَّار لبعض الولايات الخاصة في بلاد المسلمين بلا إنكارٍ أو تَثريب، مثل رئاسة بعضهم لاتِّحاد مُلاَّك عمارة سكَنية، وقالوا: إن هؤلاء الكُفَّارَ شركاء لنا في الوطن، ومِن ثَمَّ يجب أن يتساوَوْا مع المسلمين في الحقوق والواجبات!
والحَقُّ أن هذا كلام بعيدٌ عن الصَّواب، مُخالف للحقِّ من وجوه، منها:
أولاً: أن وظيفة حُكَّام المسلمين الرئيسة هي إقامة شرع الله وإعلاءُ كلمته، وسياسة الدُّنيا بالدِّين، وحِفظ حدود الله ودينه وحقوق عبادِه، فالخلافة نيابةٌ عن النُّبوة في حراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا به، وليست مجرَّد وظيفة.
قال الماورديُّ: "الإمامة موضوعةٌ لِخلافة النُّبوة في حراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا، وعقدها لِمن يقوم بها في الأُمَّة واجب"[1].
وقال ابن تيميَّة: "فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخَلْق، الذي متى فاتَهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به من الدُّنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدِّين إلاَّ به من أمر دنياهم"[2].
فكيف يُظنُّ بكافر لا يؤمن بالإسلام دينًا أن يقوم بهذه الوظيفة؟! وكيف نضع أمانةَ حِراسة الدِّين بين يدَيْ مَن يكفر به؟
ثانيًا: أن النُّصوص الشرعية دلَّت على أن الإمامة لا تنعقد لكافر ابتداءً، وأنَّه لو طرأ عليه الكفر بعد توَلِّيه، فإنه ينعزل وتَسقط ولايته.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 141].
قال القاضي ابن العربيِّ: "إنَّ الله سبحانه لا يَجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً بالشَّرع، فإن وجد فبِخلاف الشرع"[3].
وقال الله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59]، فدلَّ بقوله: ﴿ مِنْكُمْ ﴾ على أنَّ أولي الأمر يجب أن يكونوا من المسلمين المؤمنين؛ لأنَّ الخِطاب متوجِّه إليهم من بداية الآية.
وقال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [آل عمران: 118].
قال القرطبيُّ: "نَهى الله المؤمنين بِهذه الآية أن يَتَّخِذوا من الكُفَّار واليهود وأهل الأهواء دُخلاءَ ووُلَجاء يُفاوضونهم في الآراء، ويُسندون إليهم أمورَهم"[4].
فكيف باتِّخاذهم حكامًا وولاةً للأمور؟!
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء: 144].
قال ابن كثير: "يَنهى تعالى عباده المؤمنين عن اتِّخاذ الكافرين أولياءَ من دون المؤمنين؛ يَعني: مصاحبَتَهم، ومُصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرارَ المودَّةِ إليهم، وإفشاءَ أحوال المؤمنين الباطنةِ إليهم"[5].
وقال القرطبيُّ: "أيْ: لا تجعلوا خاصَّتَكم وبِطانتكم منهم"[6].
فإن كانت مصادقتُهم وإفشاءُ أحوال المؤمنين الباطنةِ إليهم، وجعْلُهم من الخَواصِّ - من صور الموالاة التي نَهت عنها الآية، فلا ريب أنَّ توليتهم أمْرَ المسلمين، وجعْلَهم حكامًا عليهم من أظهر صُوَر الموالاة لهم وأشَدِّها تحريمًا.
وعن عُبَادة بن الصَّامت قال: "دعانا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فبايَعناه، فكان فيما أخذَ علينا أنْ بايعَنَا على السَّمع والطاعة في منشَطِنا ومَكرهِنا، وعُسرنا ويُسرنا، وأثَرَةٍ علينا، وأن لا نُنازِع الأمر أهلَه، قال: ((إلاَّ أن ترَوْا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان))"[7].
قال القاضي عياض: "فلو طرأَ عليه كُفرٌ وتغيير للشَّرع، أو بدعةٌ، خرجَ عن حكم الولاية، وسقطَت طاعته، ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخَلْعُه، ونصب إمام عادلٍ إن أمكنَهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاَّ لطائفةٍ وجب عليهم القيامُ بِخَلع الكافر"[8].
ثالثًا: أنَّ إجماع المسلمين منعقِدٌ على اعتبار شرط الإسلام فيمن يتولَّى حكم المسلمين وولايتهم، وأنَّ الكافر لا ولاية له على المُسلم بحال.
قال القاضي عياض: "أجمع العلماءُ على أنَّ الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنَّه لو طرأ عليه الكفر انعزل، وكذا لو ترك إقامةَ الصَّلوات والدُّعاءَ إليها"[9].
وقال ابن المنذِر: إنَّه قد "أجمع كلُّ مَن يُحفَظ عنه مِن أهل العلم أنَّ الكافر لا ولايةَ له على المسلم بِحال"[10].
وقال ابن حَزم: "واتَّفقوا أنَّ الإمامة لا تجوز لامرأةٍ ولا لكافر ولا لصبِي"[11].
وقال ابن حجَر: إنَّ الإمام "ينعزل بالكفر إجماعًا، فيَجِب على كلِّ مسلمٍ القيامُ في ذلك، فمَن قوي على ذلك فله الثَّواب، ومَن داهن فعليه الإثم، ومن عَجز وجبَتْ عليه الهجرةُ من تلك الأرض"[12].
رابعًا: رجَّح جمهورُ العلماء أنَّ فِسق الحاكم فسقًا ظاهرًا معلومًا يؤدِّي لِسُقوط ولايته، ويكون مسوِّغًا للخروج عليه عند أمن إراقة الدِّماء وحدوث الفِتَن؛ وذلك لأنَّ فسقه قد يُقْعِده عن القيام بواجباته الشَّرعية؛ من إقامة الحدود، ورعاية الحقوق، وحِفظ دين رعيَّتِه ومعاشهم.
قال القرطبِيُّ: "الإمام إذا نُصِّب ثم فسَق بعدَ انبِرام العقد، فقال الجمهورُ: إنَّه تنفسخ إمامتُه ويُخلَع بالفسق الظَّاهر المعلوم؛ لأنَّه قد ثبت أنَّ الإمام إنَّما يُقام لإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وحِفظ أموال الأيتام والمَجانين، والنظر في أمورهم إلى غير ذلك...، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنُّهوض بها.
فلو جوَّزنا أن يكون فاسقًا، أدَّى إلى إبطال ما أقيم لأجلِه، ألا تَرى في الابتداء إنَّما لم يَجُز أن يعقد للفاسق لأجل أنَّه يؤدِّي إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله"[13].
فإن كان هذا قولَهم في حاكمٍ له ولاية وبيعة، ثم طرأ عليه الفِسق، فكيف بكافرٍ أصلي لا بيعةَ له ولا ولاية؟ كيف يَستقيم في شرعٍ أو عقل أن تُعطى الولاية وحكم المسلمين ابتداءً لكافرٍ أصلي؟
خامسًا: أنَّ ما استَدلَّ به أولئك المُفتون بِجواز ولاية الكافر لا دلالة فيه مطلقًا، ولا يَصلح معارضًا للأدلَّة الصريحة الصحيحة المُخالفة لهم.
• فقد بنَى بعضُهم استدلالَه على ما جاء في قصة سيدنا يوسُف - عليه السَّلام - حين طلب من الملِك أن يَجعله على خزائن الأرض، كما جاء في قول الله تعالى: ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 55]، وقالوا: إن يوسف - عليه السَّلام - كان وزيرًا تحت إمرة ملِك كافر، وهذا يدلُّ على جواز ولاية الكافر.
وهذا استدلالٌ مردود من وجوه، منها:
1- أنَّ هذا مِن شرع مَن قبلنا، وقد تقرَّر في الأصول أنَّ شرع من قبلنا ليس بِشَرع لنا، ولا حُجَّة فيه إذا جاء في شرعِنا ما يُخالفه[14].
2- ليس في القصَّة ما يفيد إقرارَ يوسف - عليه السَّلام - لولاية الكافر، وإنَّما جاء فعل يوسف - عليه السَّلام - إقامةً للعدل والقسط، وحفظًا للحقوق، ودفعًا للظُّلم وإضاعةِ المال في غير حقِّه؛ ولذلك علَّل طلبَه للولاية بأنَّه"حفيظ عليم".
فما فعله سيِّدُنا يوسف - عليه السَّلام - هو نوعٌ من تقليص سلطان الكافر واختزالِه؛ جلبًا للمصالِح، ودفعًا للمفاسد، ولا يلزم من ذلك إقرارٌ لولاية ذلك الكافر، أو موافَقةٌ على حكمه.
قال القاضي ابن العربي:
"فإن قيل: كيف استجاز أن يَقبلها بتولية كافر، وهو مؤمن نبِي؟
قلنا: لَم يكن سؤالَ ولاية؛ إنَّما كان سؤال تَخلٍّ وتركٍ؛ لينتقل إليه، فإنَّ الله لو شاء لَمكَّنه منها بالقتل والموت، والغلَبة والظُّهور، والسُّلطان والقهر، لكنَّ الله أجرى سُنَّته على ما ذكَر في الأنبياء والأمم، فبعضُهم عاملهم الأنبياء بالقهر والسُّلطان والاستعلاء، وبعضهم عاملَهم الأنبياء بالسِّياسة والابتلاء، يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 56][15].
3- أنَّ مناط الحكم في المسألتين مُختلِف؛ فإنَّ الدولة التي كان فيها يوسف - عليه السَّلام - لم تكن دولةً إسلاميَّة، ولم يكن أهلها مسلِمين موحِّدين، كما أن يوسف - عليه السَّلام - لم يُشارك في تولية ذلك الكافر، ولَم يكن بوسعه أن يخلعه ويعزله وهو المستضعف الذي سُجِن ظلمًا في سجن هذا الملِك.
• ومن استدلالات أولئك المُجيزين لولاية الكافر على المسلمين: قياسُ الولاية العُظمى على ما قد يتقلَّده الكفار في بلاد المسلمين من وظائِفَ ومناصب دنيويَّة خاصَّةٍ ومَحدودة، مثل رئاسة اتِّحادات المُلاَّك في العمارات السَّكنية، أو قيادة مَركبة.
فقالوا: إن كُنَّا نجيز للكافر أن يتولَّى رئاسة اتِّحاد الملاَّك في عمارة سكنية؛ لو كان الأكثرَ قدرةً وكفاءة على إدارتها، فلماذا لا نُجيز له أن يتولَّى حُكم البلاد؟!
وهذا من أعجب الاستدلالات، وأكثَرِها بُعدًا عن القواعد والأصول.
فهل تولِّي الكافر لرئاسة اتحاد ملاَّك يَصلح حُجَّةً يُستدلُّ بها، وأصلاً يُقاس عليه؟
وهل يُمكن قياس الولاية العظمى التي ينبغي فيها إقامةُ الحدود، والجهاد، والفرائض، وتحكيم شرع الله في الدِّماء والأموال والأعراض - على ولايةٍ خاصَّة، في شأنٍ خاص، غايتُه جمعُ الاشتراكات وصيانة المرافق؟ هذا وربِّ الكعبة في القياسِ عجيب.
إنَّ الإمامة العُظمى في بلاد المسلمين كما ذكَرْنا آنِفًا هي وظيفة دينيَّة في الأساس، وهي موضوعة لِخلافة النُّبوة في حراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا به؛ ومن ثَمَّ لا يَصلح شرعًا وعقلاً أن تُقاس على وظائفَ دنيويَّة بَحتة؛ كتولِّي قيادة سيَّارة، أو رئاسة اتِّحاد ملاك.
سادسًا: إنَّ الشريعة الإسلامية حين حَرَّمت ولاية الكافر على المسلم فإنَّها لَم تَغمط غير المسلمين أو تَسلبهم حقًّا لهم؛ وإنَّما قد راعَتْ في ذلك تحصيلَ المصالح العظمى للمجتمع كلِّه - المسلمين وغيرهم - لأنَّ الخير والعدل كلَّه في سياسة الدُّنيا بالدِّين، والتَّحاكُم إلى شرع الإسلام، والعيش في ظلِّ شريعته التامَّة، السَّمحة السامية.
ولا جدال أن أوَّل لوازمِ تلك الوظيفة ومقوِّماتها أن يتولاَّها من يؤمن بهذا الدِّين الكامل، ويحرص على حفظه وإعلاء كلمته، ويدين الله تعالى بتطبيق شريعته التامَّة؛ ولذلك كان اشتراطُ الإسلام فيمن يتولَّى الإمامة العظمى طبيعيًّا، يتَّفِق مع قواعد الشرع والعقل.
والشريعة الإسلامية في مقابل ذلك قد أمرَت المسلمين - حُكَّامًا ومحكومين - بالعدل والقسط في أهل الذِّمة، وحرَّمَت ظلمهم، والاعتداءَ عليهم بالباطل، كما أمرَت بالوفاء بعهدهم وذمَّتِهم، وحضَّت على دعوتِهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وشرعت بِرَّهم والإحسانَ إليهم ما استقاموا في عهدهم، وأوفَوْا بذِمَّتِهم.
قال الله - تعالى -: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8].
وقال: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125].
وعن عبدالله بن عمْرٍو - رضي الله عنهما - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن قتَل مُعاهَدًا لَم يرحْ رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا))[16].
وأخيرًا، فإنَّ مشاركة المسلمين للكفار في وطَنٍ واحد لا تعني بالضرورة تَساوِيَهم في الحقوق والواجبات، وإنَّما تُوجِب إقامة العَدل والقسط على الجميع، والعدل لا يعني المساواة في كلِّ شيء؛ وإنَّما يعني إعطاءَ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ومطالبتَه بأداء ما عليه من واجبات، والمَرجِع في تحديد الحقوق والواجبات هو شرعُ الله، لا غير.
والناس لا يتساوَوْن في كلِّ شيء حتَّى تكون لهم نفس الحقوق والواجبات؛ وإنَّما يتفاوتون في ذلك، ويَختلفون باعتبارات متنوِّعة متعدِّدة.
فهل من العدل مثلاً أن نُساوي بين المسلمين وغيرهم في الأمر بالخروج لجهاد الطَّلَب، ونأمر غير المسلم بِبَذل روحِه ومالِه؛ من أجل إظهار دينٍ لا يُؤمِن به؟! أم نَترك الأمر بِجهاد الطَّلَب بالكُلِّية، فلا نتوجَّه به للمُسلم، ولا لغير المسلم؟
إنَّنا إنْ قلنا بالمساواة هنا، فسنَقع بين مَطرقة ظُلم غير المسلمين، وسِنْدانِ تعطيل شعيرة الجهاد، والمخرج من ذلك هو تطبيق العدل الربَّاني في تحديد الحقوق والواجبات كما جاءت بذلك شريعةُ الله تعالى.
ومما سبق يظهر جلِيًّا - بحمد الله - خطَأُ ما ذهب إليه أولئك المُفْتُون، وسقوطُ استدلالِهم، وفسادُ قياسهم، ومُخالفتُهم للنُّصوص الشرعية القاطعة، والإجماعِ المنعقِد.
وهكذا دائمًا تجد أهل الباطل لا تستقيم لهم حجَّة، ولا يصحُّ لَهم استدلال؛ لأنَّ الباطل لَجْلج، لن تُقوِّيَه دعاوى المبطِلين، ولن تُقيمَه فتاوى المداهنين.
نسأل الله أن ينوِّر بصائرنا، وأن يرِيَنا الحقَّ حقًّا ويرزقنا اتِّباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابَه، وألاَّ يجعل مصيبتنا في ديننا، ولا يَجعل الدُّنيا أكبرَ هَمِّنا، ولا مبلغَ علمنا، وأن يَستعملنا في خدمة الدِّين، وأن يولِّي أمورَنا خيارنا، ويهيِّئ لنا أمر رُشْد، يعزُّ فيه أهل طاعته، ويذلُّ فيه أهل معصيته، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسولِه محمدٍ خير الأنام، وعلى آله وأزواجه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسان.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] "الأحكام السُّلطانية"، ص5.
[2] "السياسة الشَّرعية"، ص13.
[3] "أحكام القرآن" (1/ 641)، وانظر: تفسير "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (5/ 421).
[4] تفسير "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (4/ 179).
[5] "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (1/ 867).
[6] تفسير "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (5/ 425).
[7] "مسلم" (3427).
[8] "شرح صحيح مسلم" للنووي (6/ 314).
[9] "شرح صحيح مسلم" للنووي (6/ 315).
[10] نقله عنه ابن القيم في "أحكام أهل الذِّمَّة" (2/ 787).
[11] "مراتب الإجماع" ص208، ولم يتعقبه ابن تيميَّة في نقد مراتب الإجماع؛ مما يدلُّ على موافقتِه له.
[12] "فتح الباري" (13/ 123).
[13] "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 271).
[14] انظر: "المستصفى في أصول الفقه" للغزالي (1/ 133)، ولا يُلتفت لقول البعض: "إنَّ هذا ليس مما يقع فيه النَّسخ"؛ لأنَّها مسألةٌ لا تَدخل في الثوابت العقَدِيَّة التي اتَّفقتْ عليها الرسالات الإلهيَّة، كالقول في ذات الله وصفاته وكتبه ورسُلِه، هذا إنْ سلَّمْنا بصحة الاستدلال، ونحن لا نسلِّم به.
[15] "أحكام القرآن" (60).
[16] أخرجه البخاري (2930).

- الرد على أسامة القوصي بتولي المسيحي الحكم


رد الدكتور ياسر برهامي على اسامة القوصي


رد الشيخ وجدي غنيم على اسامة القوصي


الكوكب الدري في الرد على أسامة القوصي

ظهر الشيخ أسامة في قناة النصراني ( نجيب سويرس) من يومين وكان معه لقاء في كثير من المسائل المطروحة الان على الساحة المصرية , فكانت منه طوام وبلايا - كعادته - , وحتى  لا ينطلي ما قاله على كثير من العوام , وممن لا يفقهون أمر دينهم , كان هذا الرد :


 والذي كان جوابا عن سؤال ورد إليه حول حكم تولي القبطي للرئاسة, وماذا ينبغي للمسلم فعله إذا كانت الحال تلك, وسيكون ردي بإذن الله بوضع الجملة من كلامه, ثم أُتبعها بالرد عليها, والله المستعان...


السائل: ما الواجب في حالة إذا تولى علينا رئيس قبطي نسأل الله العافية؟


فكان جواب الأستاذ: "ولا شيء, مثل يوسف مع ملك مصر!


فهل ارتد يوسف عليه السلام؟"


والجواب:


أن حالة يوسف عليه وعلى نبينا السلام تختلف بالكلية عن حالتنا الآن, فيوسف كان مسلما بين الكفار, أتيحت له الفرصة للمشاركة في وزارة هذا النظام الكافر, لتقليل الشر وإقامة شرع الله قدر الإمكان, وفي ذلك قال عليه السلام: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم).


اما الآن في مصر, فلا وجود لهذه الصورة والحمد لله, بل الأغلبية الساحقة (والتي تفوق 94% على أقل تقدير) من أهل الإسلام, والدين الرسمي للدولة هو الإسلام, والمادة الثانية من الدستور تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع, وما حَكَمَ مصر إلا رئيس مسلم..!


والحقيقة –وللأسف- أن ما يريده الأستاذ تحديدا هو تمرير القول بأنه لا إشكال أبدا في أن يتولى غير المسلم رئاسة البلاد, وهو ما صرَّح به بقوله: "ولا شيء! مثل يوسف عليه السلام".. 


بل الأدهى: أن الأستاذ يرى أنه يلزمنا تقديم غير المسلم إلى تولي الرئاسة وولاية أمر المسلمين على الأغلبية المسلمة إن كان أكفأنا كما يأتي من كلامه! ويأتي إن شاء الله الرد عليه في موضعه.


ثم يقول": أنا قلت الدولة المدنية, وقلت إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من آذى ذميا فقد آذاني".."


وهذا لا نخالف الأستاذ فيه, لكن من هو الذمي؟


هو اليهودي أو النصراني الذي يقيم بين ظهراني المسلمين تحت حاكم مسلم يقيم شرع الله, يدفع الجزية وله علينا من الحقوق ما هو معروف.


تأمل!: يهودي أو نصراني


(1)محكوم بحاكم مسلم 


(2)في دولة إسلامية 


(3)تقيم شرع الله 


(4)يدفع الجزية! 


فهل يمكن أن يرتقي حال هذا الذمي من دفع الجزية إلى المسلمين إلى ولاية أمر المسلمين؟!!


وهل سيفرض هذا الحاكم الجديد الجزية على بني دينه من الذميين؟


بل هل سيلتزم هو دفع الجزية, كونه ذميا؟ وإلى من يدفعها؟


هذا كله يوضح لك مدى مجانبة هذا الكلام لشرع الله تعالى بل ولمقتضى العقل!, ولكن الطامة الأكبر –ولا حول ولا قوة إلا بالله- أن الأستاذ يقول:


"بينما يأتي أبو بصير وغيره فيسلمهم للكفار لأنهم ليسوا مواطنين في هذه الدولة"!!


فعلة إرجاع أبي بصير إلى الكفار –عند الأستاذ- هي كونه غير مواطن في دولة الإسلام!!


وهنا نسأل الأستاذ: المهاجرات اللاتي كن يأتين من عند الكفار –من خارج دولة المسلمين في المدينة آنذاك- هل كنّ مواطنات أم لا؟


قطعا لسن مواطنات, لا فرق بينهن وبين أبي بصير, فلماذا حرَّم الله إرجاعهن إلى "وطنهن" الأصلي؟ وقال فيهن: (فلا ترجعوهن إلى الكفار)!!


ما جواب الأستاذ؟ 


والذي لا يخفى على عوام المسلمين فضلا عمَّن له شيء من الثقافة الإسلامية, أن إرجاع أبي بصير إلى الكفار كان بمقتضى العهد الذي أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين في الحديبية, أن من جاءه من الكفار مسلما يُرجع إليهم, ومن جاء من المسلمين مرتدا إلى الكفار فلا يلزمهم أن يرجعوه!


فأين هذه الحالة الخاصة المقيَّدة من التعميم والإطلاق الذي يمارسه الأستاذ القوصي و"المواطنة" التي يحاول حشرها في كل جملة؟!


وأين اعتبار الشراكة في البلد ها هنا؟!


بل يقال أيضا: إن كانت المواطنة هي السبب في ذلك, فلماذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج " المواطن" المسلم إلى الكفار فلا يردونه ويضمونه إليهم, وهو "غير مواطن" وغير مشارك لهم في البلاد؟!!


ثم ما الحال الآن..إن جاءنا مهاجر من إسرائيل على سبيل المثال مؤمنا, فهل نرده إليهم؟!


ثم يقول ما معناه: "بعد أن كوَّن أبو بصير رضي الله عنه جماعته وصار يقطع الطريق على قوافل قريش: رضي كفار قريش أن ينضم إلى النبي صلى الله عليه وسلم", وعبر الأستاذ القوصي عن ذلك قائلا: "أدخلوهم في المواطنة"!


وكما ترى: استخدام لكلمة "المواطنة" مرة أخرى في غير موضعها! ولا يدري أنه ينسف كلامه الذي يقرره بفعله هذا, إذ نسأله: فهل تفتي للمسلم غير المواطن الذي ينبغي أن نرده إلى الكفار, أن يقوم بتكوين جماعة تقطع الطريق على مواطني الدولة المجاورة "كإسرائيل مثلا" وقطع الطريق على بعثات السائحين القادمين من بلادهم إلى سيناء؟! وهل هذا من المواطنة في شيء؟!


ثم يستدل الأستاذ بآيات سورة الأنفال, فيقول عمن لم يهاجر: إنه 


" ليس مواطنا في دولتك"!


وكأن السبب في النهي عن ولايتهم هو أنهم ليسوا مواطنين!


وهذا خلط عظيم وتدليس من الأستاذ –سامحه الله-..


فالعلة هنا: هي تركهم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وقت شدة حاجة المسلمين إلى كل رجل ينصرهم, ومع ذلك, فإن طلبوا من المسلمين وقتئذ النصرة لقتال من يقاتلهم من أجل دينهم: وجب على المسلمين القتال معهم إلا على قوم بين المسلمين وبينهم ميثاق فلا ينقضون عهدهم.


وكالعادة, فالآية التي يستدل بها الأستاذ تنقض كلامه من أساسه: فهل من المواطنة أن أعين "المواطن" الفرنسي مثلا على قتال "المواطن" الفرنسي –شريكه في البلد الواحد- وأنا "غير مواطن" لا ناقة لي ولا جمل في هذا البلد؟!


ثم أيضا, فمفهوم الآية: أنه إن هاجر هذا الرجل من بلاد الكفر إلى بلد الإسلام فهو من أوليائي, فكيف نوفق بين ذلك وبين كلام الأستاذ السابق: إن هذا القادم من الخارج ليس مواطنا, فينبغي رده, لأنه جاء من بلد آخر, واستدل هناك بقصة أبي بصير؟!


فهل أواليه وأنصره وأضمه إلى بلدي أم أرجعه إلى الكفار؟!


هكذا والله لا يستدل المُبطِل إلا بما ينقض مذهبه!


ثم قال جوابا عن سؤال السائل عن نفس الموضوع, وهو تولي غير المسلم رئاسة البلاد: فقال:


" هذا ليس شرا بالدرجة التي يتوقعها الناس, فنحن شركاء في وطن واحد.."


ثم شرع يقص علينا قصة الضابط القبطي الذي كان صاحب فكرة استخدام المياه لتحطيم خط برليف, وفاتًه أن يستدل بكتاب الله تعالى, وفيه: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)...!


أفليس هذا حكما خاصا بشريكي في البلد الواحد –على حد تعبير الأستاذ-؟


أليست الآية في نفس الرجل الذمي الذي قال فيه الشيخ –ونحن نؤيده في ذلك- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: "من آذى ذميا فقد آذاني"؟!


ثم هل يُستدل بقصة كهذه على جواز تولي غير المسلم رئاسة البلاد وولاية أمر العباد؟ هل يقول بذلك عاقل؟


ألم يقرأ الأستاذ حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين, حين قال: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" وقال في هذا الرجل: "أما إنه من أهل النار!". وقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة بابن أريقط ليدله على الطريق وكان كافرا,فكان ماذا؟!


هل يساوي عاقل بين الاستعانة بغير المسلم في شأن من شؤون الدنيا وبين إعانته على تولي أمر عامة المسلمين؟!


هل يصح هذا القياس عند أحد من بني آدم؟


وعلى أسوأ تقدير, فإن فرضنا أن ديننا يجوِّز ولاية غير المسلم علينا في أمور الدنيا, فهل ولاية أمر المسلمين من "أمور الدنيا" كما يدعي الشيخ, ويستهزئ بمخالفه قائلا: "هو هيودينا الحج"؟ !!


وهل يصح الاستشهاد بما مفاده أنه لا مانع من ترشيح غير المسلم لرئاسة اتحاد الملاك في عمارة يسكنها مسلمون وغير مسلمين!!


الواقع أن ولاية أمر المسلمين لا نقول فقط إنها من أمور الدين, بل هي من أجلَّ وأعظم أمور الدين, وإن أولى وظائف ولي الأمر ومهامه والتي تسقط ولايته بالتقصير فيها: هي حفظ الدين..! وسياسة العباد بشرع الله, فهل حفظ الدين وتحكيم شرع الله من "أمور الدنيا" يا أستاذ؟!


وليتصور الأستاذ معنا الحال إذا ما تولى نصراني حكم البلاد, أفتراه يبذل جهده وماله بل ونفسه إن اقتضى الأمر دفاعا عن دين الإسلام؟


كيف ذلك وهو يعتقد في قرارة نفسه أنه دين محرف أتى به مدعِ للنبوة في جزيرة العرب؟


كيف وقد قال الله في هذا الرجل وأمثاله: "وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا"؟!


أما من ذكرهم الله في سورة المائدة "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى", فهم من وصفهم الله في نفس الآية بعكس ما وصف به أولئك, إذ قال فيهم: "وأنهم لا يستكبرون": أي ليس فيهم كبر ولا طغيان يمنعهم من قبول الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم, ولذلك وصفهم ربنا في الآية التالية بقوله جل وعلا: "وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين".


هل يتصور أن يَصدُق في هذا القبطي قول الله تعالى: (الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر)؟! 


وإن فعل ذلك اتقاء شر رعيته من المسلمين مرة أو في فترة, فهل يصح أن تُعلَّق هذه الوظائف المهمة الجليلة به وهو من غير المسلمين؟


هل يُعَلَّق الأمر بالمعروف -من صلاة وزكاة وسائر أعمال البر- والنهي عن المنكر بمن لا يدين الله بالإسلام أصلا ولا يعرف عنه إلا رسمه!


هل يؤتمن غير المسلم على تطبيق شريعة المسلمين في البلاد؟


ثم إذا نزلنا إلى أرض الواقع, فمن نأتمن يا ترى على هذه المهمة العظيمة؟ 


من ادعى أن القرآن محرف وأنه زٍيد عليه في عهد عثمان رضي الله عنه, أم من يحتجز في الأديرة كل من سولت لها نفسها أن تسلم لله رب العالمين؟




-ثم الاستدلال بالاسم..و النسب! وأن نسبنا يمر ضرورة بالأقباط!! وفي ذلك يقول الأستاذ:


"هي كده..هو ده نسبك..مر بالأقباط..!"


والجواب: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم قرشي النسب, ومع ذلك, فقد قاتل قريشًا حين أبت الدخول في دين الله تعالى!


وقتل أبو عبيدة بن الجراح أباه يوم بدر!


بل قبل ذلك, فقصص الأنبياء بين أيدينا في كتاب الله تعالى, قصَّ الله فيه ما دار بين أنبياء الله وأقوامهم المشاركين لهم في النسب, بل تأمل قول شعيب عليه السلام بعد أن أهلك الله قومه: (فتولى عنهم وقال يا قوم قد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين), وهم شركاؤه في البلد وفي النسب!


وتأمل كيف أنزل الله قرآنا يتلى في أبي لهب وهو الهاشمي القرشي!


وتأمل هذا الحديث:


" قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله : ** وأنذر عشيرتك الأقربين } . قال : ( يا معشر قريش ، أو كلمة نحوها ، اشتروا أنفسكم ، لا أغني عنكم مناللهشيئا ، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم مناللهشيئا ، يا عباس ابن عبد المطلب لا أغني عنك مناللهشيئا ، ويا صفية عمة رسولالله لا أغني عنك مناللهشيئا ، ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ، سليني ما شئت من مالي ، لا أغني عنك من الله شيئا) .


وقوله صلى الله عليه وسلم: "وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".


فأي اعتبار للنسب أقامه الشرع لمن كفر بالله العظيم؟!


والله إن هذه الطريقة في الاستدلال لتدل على خذلان عظيم من الله لهذا الرجل, أسأل الله أن يهديه وأن يصلح حاله وأن يزرقه التوبة قبل الموت, فهدايته أحب إلينا.


والحمد لله رب العالمين.

الشيخ يعقوب .. أخطأ من شدة الفرح........ الدكتور / محمد إسماعيل المقدم


فزاعة وصول الإسلاميين للسلطة ........محمود سامي




في ظل الانتفاضة الشعبية التي صارت تلف عدة دول عربية، ليس فقط طمعا في العيش في حياة اقتصادية كريمة، ولكن أملا في مستقبل تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية، صارت تنتاب كثيرين ممن هم في داخل دولنا العربية والإسلامية وخارجها من الدول الأجنبية الكبرى مخاوف ، أقل ما توصف بأنها فزاعة الخوف من وصول الإسلاميين للسلطة.





موضع الخوف والقلق مرده هنا ، هو نجاح ثورتي الياسمين والشعب في كل من تونس ومصر، وخلع الرئيسين زين العابدين بن علي وحسني مبارك من الحكم، حتى صار من هم في الداخل والخارج في فزع أقل ما يوصف عنه بأنه "فوبيا" التيار الإسلامي ، وهى نفس المخاوف التي كان يصدرها النظامين المخلوعين وغيرهما من الأنظمة القائمة بالدول العربية والإسلامية إلى الغرب بأنه في حال إطلاق الحريات ، فان الإسلاميين والقوى السياسية ذات المرجعية الإسلامية حتما ستصل إلى السلطة، ومن ثم تهدد المصالح الغربية الكبرى بهذه الدول.




على هذا النحو لمس المستبدون المبرر لوجودهم لدى الغرب بالأساس ، قبل شعوبهم في تأكيدهم على أن حكمهم ينبغي أن يكون بالقهر والنار، ولا يحتاج معارضوهم سوى إلى القهر والاستبداد لدرء أي خطر يمكن أن يهدد مصالح الغرب، وعليه انتعش الفساد، بعدما أصبح المناخ مهيئا له ، وأصبح يتم ممارسته بشكل ممنهج ، والإيعاز بأنه في حال ترك المجال لتختار الشعوب من تريده، فإن كل هذه المصالح سواء للغرب في الخارج، أو للفاسدين في الداخل من تضخمت ثرواتهم ستصبح مهددة، وخاصة مع تولي التيار الإسلامي لمقاليد الأمور، وهم هنا لا ينقلون هذا التوصيف صراحة ، بقدر ما يعتبرونهم متطرفين أو ظلاميين ، أو غيرها من المصلحات، التي تروج لها المؤسسات الإعلامية والثقافية أو المنابر الإعلامية، التي يسيطر عليها المناوئون للإسلاميين.




ومع نجاح ثورتي تونس ومصر ، صار الحديث عن مخاوف هؤلاء من وصول الإسلاميين إلى السلطة من الواقع بمكان، بعدما أطلقوا العنان لمخاوفهم وتحذيراتهم بأن القوى السياسية ذات المرجعية الإسلامية على مداخل القصور الرئاسية ، وكأنهم أرادوا للشعب العربي أن يكون مستحقا عليه من وجهة نظرهم إما أن يكون أسيرا للأنظمة التسلطية مستبدة، أو خاضعا لاتجاهات علمانية بالية وليبرالية مهترئة ويسارية بائدة.




دعاة الحرية والتنوير لا يرون في بديلهم هذا خلاف، حتى لو كان ذلك مخالفا للديمقراطية التي يتشدقون بها، حيث يعلنون صراحة أن الأوضاع إذا ما صارت عليه الآن من استغلال لما هو قائم بإجراء الانتخابات البرلمانية ، فان بديل الأنظمة القمعية هم الإسلاميين، وذلك في مخالفة صريحة منهم لمبادئ حقوق التعبير التي ينادون بها، وفي غياب واضح لتداول السلطات التي يعملون على سيادتها.




على هذا النحو تسير لغة الخطاب بين دعاة الحرية ومروجي الاستنارة من طرفهم هم وفقط ، وكأنه محاولة لإقصاء الغير، إن لم يكن كذلك، بحيث لايؤتي بأي طرف يمكن أن يخالف العلمانية ودعاتها، لايرتضي عنها بديلا، ولايحيد عنها سبيلا، وكأنه صار على الجميع أن يسيروا في فلكها، يتبنون طرحها ، وأمثال هؤلاء صاروا يجعلون من أنفسهم أبواقا للأنظمة الديكتاتورية ذاتها، والتي كانت تصدر مثل هذه الفزاعات إلى الولايات المتحدة الأمريكية.




ولذلك هال أمثال هؤلاء أي تواجد لقوى إسلامية أو سياسية بين المطالبين بالإصلاح، أو بين الثوار ، كما هو الحال في مصر وتونس. والأغرب أن هؤلاء صاروا يتحدثون عن نفس الفزاعة التي ظلت تتحدث عنها الأنظمة الديكتاتورية بأنه في حال وصول الإسلاميين إلى السلطة فان ذلك سيكون خطرا على الجميع، ويهدد وحدة والنسيج الاجتماعي والوطني.




بهذا الخطاب يقف أمثال هؤلاء في خندق واحد، للدرجة التي يعلنون فيها صراحة وقت أن تجرى الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية بدول مثل مصر وتونس ، فان الإسلاميين حتما سيحصدون السلطة، ويحققون حلمهم بحصد المقاعد البرلمانية، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا الخطاب، فان التساؤل الذي يطرح نفسه. أليس الإسلاميون هم الذين ذاقوا مرارة حكم الاستبداد بالدول التي اندلعت بها الثورات أخيرا مثل مصر وتونس وليبيا، وجنوا مرارة السجون والاعتقالات والأحكام العسكرية المشددة، بالإضافة إلى القيود العديدة التي فرضت عليهم، وذلك على مدى عقود عدة، فيما لم يجن العلمانيون واليساريون سوى التقرب من الأنظمة الحاكمة ، وتولي الوظائف.




ليس هذا تشفيا فيمن أصبح خارج السلطة حاليا ، أو تسويقا لمن يشتاقون إلى المناصب، ولكنه تأصيل للواقع ، الذي يعكس أن كل من هم غير الإسلاميين كثيرا ما راهنوا على الأنظمة الاستبدادية والتقرب إلى الغرب، وفي المقابل كانت القوى الإسلامية والسياسية الجادة هى التي تدفع الضريبة غاليا، في الوقت الذي نجحت فيه الأنظمة القمعية باستمالة الليبراليين والعلمانيين، فضلا عن احتواء الأحزاب السياسية، وتحويلها إلى أحزاب كرتونية مستأنسة لقرارات الأجهزة المعنية.




كل هذا أدى إلى إضعاف مثل هذه الأحزاب ، وعزوفها عن المشاركة الجادة ، وهو ما شاركهم فيها أصحاب التيارات التي كانت مقربة أو تتقرب إلى السلطة ، لتصبح مشاركتهم جميعا مشاركة سلبية، ولم يكتفوا بذلك فقط، بل راحوا يخوضون حملة شعواء ضد كل من يحاول خوض المجال ، أو يقترب من ساحة البرلمان.




11/4/1432 هـ